ابن رشد

13

تهافت التهافت

ويدقق ابن رشد في المسائل الثلاث التي كفّر فيها الغزالي الفلاسفة وهي : قولهم أن العالم قديم أزلي ، وقولهم أن الأجساد لا تحشر ، وقولهم أن اللّه يعلم الكليات دون الجزئيات . ففي مسألة قدم العالم وأزليته كان الغزالي قد قدم اعتراضاته على أدلة الفلاسفة الأربعة على القدم ، وبالغ ابن رشد في اهتمامه بهذه المسألة إذ شغلت هذه المسألة ربع كتاب تهافت ، التهافت ، وكان كلامه فيها أطول بثلاث مرات عما كتبه الغزالي في تهافته . ودليل الفلاسفة الأول الذي اعترض عليه الغزالي قولهم باستحالة صدور حادث عن قديم أصلا . وذلك لأن القول بحدوث العالم يقتضي تجددا مرجحا في الفاعل ( اللّه ) أو في المفعول ( العالم ) أو في كليهما وكل ذلك يؤدي إلى القول بتغير ذات اللّه وحدوث إرادة الفعل وهو محال . ويجاوب الغزالي على هذا الدليل من وجهين : في الوجه الأول يرد الغزالي على الفلاسفة بقوله أن العالم حدث بإرادة قديمة اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه . ويعتبر الغزالي أنه ليس للفلاسفة دليل برهاني على استحالة حدوث العالم في الزمان بإرادة قديمة . ويقول في الوجه الثاني أن الفلاسفة يقرون ضمنا بصدور الحادث عن القديم وذلك في اعتبارهم أن في العالم حوادث لها أسباب وهي ناتجة عن أسباب أخرى إلى غير نهاية ، وإذا تسلسلت الأسباب إلى ما لا نهاية ارتفع وجود الصانع . ولا بد للحوادث أن تنتهي إلى طرف أول هو مبدأها وذلك الطرف هو القديم . وعليه تكون الحوادث صادرة عن قديم بحسب رأي الفلاسفة . والغزالي هنا يريد أن يلزم الفلاسفة بما ذهب إليه المتكلمون . ويرد ابن رشد على اعتراض الغزالي الأول أنه ، أي الغزالي ، قد خلط بين الإرادة والفعل عند الفاعل الأول القديم . ومذهب الفلاسفة أن تراخي المفعول عن إرادة الفاعل جائز ، وأما التراخي عن فعل الفاعل فغير جائز « 1 » . فلو افترض أن اللّه أراد خلق العالم بإرادة قديمة اقتضى ذلك أن يكون فعله له أزليا لأن الإرادة والفعل متقارنان أو متساوقان في الزمان لدى الفاعل المطلق والقادر على كل شئ « 2 » . وقول

--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 29 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 30 .